فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

مبشرين ، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة . وقوله تعالى : * ( أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) * أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان وما بعدهما زيادة ، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة ، وبيانه هو أن الله تعالى ليس فوقه شيء ، وكل شيء فهو تحت قدرته ونعمته ، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن الله ، كما قال تعالى : * ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) * وقوله : * ( علمه شديد القوى ) * وقال تعالى في حقهم : * ( فالمدبرات أمراً ) * فهما جناحان ، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة ، وفيهم من يفعله لا بواسطة ، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات ، ومنهم من له أربع جهات وأكثر ، والظاهر ما ذكرناه أولاً وهو الذي عليه إطباق المفسرين . وقوله تعالى : * ( يزيد في الخلق ما يشاء ) * من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن ، ومنهم من قال الصوت الحسن ، ومنهم من قال كل وصف محمود ، والأولى أن يعمم ، ويقال الله تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء . وقوله تعالى : * ( إن الله على كل شيء قدير ) * يقرر قوله : * ( يزيد في الخلق ما يشاء ) * . قوله تعالى * ( مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . ثم قال تعالى : * ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) * . لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر ، وقال ما يفتح الله للناس ، يعني إن رحم فلا مانع له ، وإن لم يرحم فلا باعث له عليها ، وفي الآية دليل على سبق رحمته غضبه من وجوه : * ( أحدها ) * التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر ، وهو وإن كان ضعيفاً لكنه وجه من وجوه الفضل وثانيها : هو أن أنث الكناية في الأول فقال : * ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) * وجاز من حيث العربية أن يقال له ويكون عائداً إلى ما ، ولكن قال تعالى : * ( لها ) * ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة ولا ممسك لرحمته فهي وصلة إلى رحمته ، وقال عند الإمساك * ( وما يمسك فلا مرسل له ) * بالتذكير ولم يقل لهما فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة ، بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي لا يرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى : * ( وما يمسك ) * عام من غير بيان وتخصيص بخلاف قوله تعالى : * ( ما يفتح الله للناس من رحمة ) * فإنه مخصص مبين وثالثها : قوله : * ( من بعده ) * أي من بعد الله ، فاستثنى ههنا وقال لا مرسل له إلا الله فنزل له مرسلاً . وعند الإمساك